تتحدَّث إلى نفسك؟ حسنًا فأنت على ما يرام.

0

عند قراءتك للعنوان قد يخطر في ذهنك المشهد الشهير للممثل نور الشريف في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" وهو يكلم نفسه وفي حيرة من أمره، ولربما وٌضِع أحدكم في موقف مشابه من قبل ودخل عليه أحد أفراد عائلته وهو يكلِّم نفسه، وبالتأكيد شَعُرَ بالإحراج الشديد ووُصِف بأنه قد جُنَّ جنونه!
ويبقى السؤال الهام: هل يُعَدُّ وَصْفُنا لهذا الفعل بأنه من سمات المُختلِّين عقليًا وصفًا صحيحًا؟


لا عَجَب في أنك عندما تُقبِل على اتخاذ قرار هام في حياتك، فإنك تُجري حديثًا داخليًا مع نفسك للتفكير فيه، وهذا الحديث يجعلك ترتب أفكارك جيدًا وتضع خططًا منظمة للوصول إلى النتائج المرغوبة. في أحد الدراسات العلمية وُجِد أنه إذا توقف الإنسان عن التحدث إلى نفسه -سواءً كان الحديث داخليًا أو بصوت مسموع- فإن مخه يعمل بشكل يشبه مخ القردة! حيث طُلِبَ من المشاركين في هذه الدراسة أن ينطقوا بكلام غير مفهوم بصوت عالٍ ومسموع وفي نفس الوقت عليهم أن يقوموا ببعض المهام باستخدام حاستَيْ السمع والبصر. ولأن الإنسان لا يستطيع أن يتحدَّث بأكثر من شيء في وقت واحد، فهذه الأصوات غير المفهومة لم تمكِّنهم من أن يوجِّهوا أنفسهم إلى ما يجب فعله في كل مهمة، وبالتالي لم يؤدُّوا المهام كما ينبغي، وهذا حقًا ما يحدث في مخ القردة.

ولعلَّ بعضكم يتساءل: لماذا يجب أن أحدِّث نفسي جهرًا بصوت مسموع إذا لم يكن هناك أحد يسمعني؟ ما الفائدة من ذلك؟!
ثَبُت علميًا أنه عندما يتلقى الإنسان التعليمات في شكل مسموع لتنفيذ عمل معين، فإن مخه يعمل بكفاءة وتركيز أكبر مما يعمل عندما يتلقاها مكتوبةً كما في كتب الإرشادات. وقد وصف المؤلف شاد هيلمستيتر في كتابه “What To Say When You Talk To Yourself” أن الإنسان مُبرمَج بواسطة أفكاره. بل إنه عندما يسمع نفسه بوضوح، فإن عقله كثيرًا ما يُصدِّقه، وبالتالي تصبح لديه قدرة أكبر على التحكم في تصرفاته. وهذا يفسر رؤيتنا لبعض لاعبي التنس وهم يوجِّهون لأنفسهم كلماتٍ تحفيزية بصوت عالٍ أثناء اللعب لتساعدهم على التركيز أكثر والمضي قدمًا، ويفسر أيضًا الفارق الكبير في الاستيعاب بين المذاكرة الجهرية ومجرد القراءة الصامتة. وجديٌر بالذكر أن هناك أمراضًا عقلية -كمرض انفصام الشخصية- تدفع المريض ليكلم نفسه كثيرًا بما يدور في عقله، ولكن الاختلاف هنا في أن هذا الحديث ليس نابعًا من إرادة المريض، بل هناك قوة أخرى تدفعه لذلك.

فإذا كنت ممن يتسامرون مع أنفسهم ليلًا في غرفتهم، فلا تُلْقِ بالًا لمن ينْعَتُك من أهلك أو أصدقائك بالمجنون. فقط واجههم بتلك الحقيقة التي لا يعرفونها، ولا بأس في عدم اقتناعهم بها وتلقِّيك للمزيد من سخريتهم حينها، وتذكَّر جيدًا أنك تحاول القيام بعمل عظيم؛ ألا وهو السيطرة على
أكثر الأشياء المادية تعقيدًا في الكون.


لا يوجد تعليقات

أضف تعليق